وقد شكّلت الدورة الرابعة والعشرون من المهرجان، التي احتضنتها آسفي ما بين 22 و25 يوليوز 2026، محطة فارقة في مسار هذه التظاهرة التي تُعدّ من أعرق المواعيد الفنية الوطنية المرتبطة بالتراث الشعبي المغربي. فقد سجّلت الدورة إقبالاً جماهيرياً واسعاً، وحضوراً تنظيمياً لافتاً، وانخراطاً غير مسبوق للنسيج المحلي، وهي عناصر يُجمع المتتبعون على أنها لم تكن لتتحقق لولا الحضور الميداني المتواصل للمندوبية الإقليمية للثقافة، ومتابعتها الدقيقة لتفاصيل التنظيم منذ مراحل الإعداد الأولى وحتى إسدال الستار.
غير أن ما استوقف الفنانين أكثر من غيره، وما تكرّر في رسائل الشكر الموجّهة إلى المندوب، هو الاختيار الواضح الذي طبع هذه النسخة: إعطاء الفرصة لأبناء آسفي. فالمدينة التي طالما اعتُبرت خزّاناً لفن العيطة وامتداداً طبيعياً لمدرسة الحوزية والمرساوية، عاشت لسنوات على إيقاع شكوى متكرّرة مفادها أن فنانيها يُدعَون إلى مهرجانات المدن الأخرى ولا يجدون مكانهم على ركح مدينتهم. هذه الدورة قلبت المعادلة، إذ منحت لأسماء محلية، بعضها معروف وبعضها في طور التكوين، فرصة الوقوف أمام جمهور واسع وتحت الأضواء نفسها التي أُتيحت للأسماء الوازنة وطنياً، وهو ما اعتبره كثيرون إنصافاً متأخراً لكنه ضروري.
ولم يقتصر هذا الانفتاح على الفنانين وحدهم. فقد حرص المنظمون على تخصيص مساحة للمعرض الحرفي في واجهة فضاء المهرجان، بما جعل الصناعة التقليدية الآسفية، وفي مقدّمتها الخزف الذي تُعرف به المدينة عبر العالم، جزءاً من العرض لا مجرد ملحق هامشي به. وهو اختيار ترجم رؤية واضحة لدى المندوبية مفادها أن المهرجان ليس سهرات فنية فحسب، بل رافعة اقتصادية وترابية تُغذّي دورة تجارية كاملة تشمل الحرفيين وأصحاب المقاهي والمطاعم ووحدات الإيواء والنقل، وتمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الدورة بأسابيع.
ويرى فاعلون ثقافيون بالمدينة أن قيمة ما تحقق لا تُقاس بعدد الحاضرين ولا بحجم التغطية الإعلامية التي حظيت بها الدورة، بل بالإشارة التي بعثت بها إلى جيل كامل من الشباب: أن الطريق إلى الركح ممكن، وأن الانتماء إلى المدينة لم يعد عائقاً أمام الظهور فيها. فالمهرجانات، في نهاية المطاف، لا تُبنى بالميزانيات وحدها، بل بالثقة التي تمنحها المؤسسة للفاعل المحلي، وبقدرتها على تحويل التظاهرة العابرة إلى مشتل دائم للمواهب.
وتبقى الرهانات المطروحة على الدورات المقبلة كبيرة، أبرزها ضمان استمرارية هذا النهج وعدم ربطه بشخص أو بظرفية بعينها، وتحويله إلى قاعدة مؤسساتية قارّة عبر برامج تكوين ومواكبة على امتداد السنة، وتوثيق ذاكرة العيطة بآسفي قبل أن يفقد هذا التراث آخر حامليه. وهي مطالب يرفعها اليوم فنانو المدينة أنفسهم، في الرسالة ذاتها التي عبّروا فيها عن شكرهم، على اعتبار أن أفضل ما يمكن أن تُكافأ به دورة ناجحة هو أن تصير قاعدة، لا استثناءً يُحتفى به مرة واحدة.

التعليقات